الشيخ السبحاني

287

أضواء على عقائد الشيعة الإمامية

فتارة يدعو الإنسان إلى التأمل فيما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل ناطقة على وجوده سبحانه وصفاته . قال سبحانه : " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم " ( 1 ) . وأخرى يدعوه إلى التفكير والاستدلال المنطقي ، فقال سبحانه : { أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون } ( 2 ) فعالج المشاكل العلمية والفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة فاحصة ، وأخرى بالحث على التفكير في المعارف بأسلوب منطقي وبرهاني ، وبذلك أيقظ عقول المسلمين وحثهم على التأمل والتدبر في العلوم المختلفة ، دون التقليد الأعمى والتتبع غير المتبصر ، وجعل لأولئك المكانة المتميزة . غير أن المسلمين سوى قليل منهم تنكبوا عن هذا الطريق ، خصوصا فيما يرجع إلى المعارف العليا ، فصاروا بين مشبه ومعطل ، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب والسنة ، وبذلك استغنوا عن أي تعقل وتفكر ، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حد قال بعضهم في الخالق : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك ( 3 ) ! ! ! فهؤلاء هم المجسمة والمشبهة ، وأما غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكر في الله سبحانه ، فقالوا : أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية ، فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ، ولم يدرك الربوبية ( 4 ) .

--> ( 1 ) النازعات : 27 - 33 . ( 2 ) الطور : 35 - 36 . ( 3 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 105 ط دار المعرفة ، لبنان . ( 4 ) علاقة الأثبات والتفويض نقلا عن الحجة في بيان المحجة : 33 .